موقع الخلاص يحاور الأستاذ / علي محمد محمود، 

أمين الشؤون السياسية والإعلام بالحزب الإسلامي الإرتري للعدالة والتنمية

مقدمة

نهضة الأمة لن تتحقق إلا من خلال المرجعية الإسلامية ، والتي تمثل الهوية الحضارية والدينية لها ، تقف هذه الرؤية تحت عنوان المشروع الإسلامي والتي تتوافق مع قواعد التاريخ الحضاري ، وفي نفس الوقت تكشف أن كل الشعوب والأمم نهضت من خلال خصوصيتها الحضارية ، وليس من خلال تقليد الحضارات المغايرة لها ، والنهوض الإسلامي بهذا المعنى يمثل مشروعا لتقديم نموذج حضاري آخر ، وليس مجرد  تحولات سياسية.

الرؤى التي تحمل مشروعا للإصلاح والنهوض الحضاري الشامل ، والقائم على مرجعية الحضارة الإسلامية هي الوصف الدقيق للمشروع الإسلامي ، وهو موجه بالأساس للأمة الإسلامية ، حتى تتبناه وتبني من خلاله نهضتها.

وينبغي أن يتكامل وعي الأمة بأسس المشروع الإسلامي ومرتكزاته الحضارية ، لتكون الرد الواعي على محاولات حصار غاياته ، والتشكيك في قدرته على طرح نفسه بوصفه البديل الذي قد يحوز على الأغلبية ، وقد يكون ذلك عبر محاولات تشويه المشروع الإسلامي واختراقه بغية تغييره من داخله بحيث يعاد صياغته بصورة أقل وضوحا ، أو أقل تحديدا ، أو أقل استكمالا ، أو أقل جاذبية ، مما يجعل المشروع يفقد أرضا يمكن أن يتوسع فيها ، وفي مثل هذه الحالة قد تنشأ تيارات من نفس المشروع تتبنى أفكارا تجنح إلى الغلو والتطرف وعندها الوضع يكون خارج فرص الحوار تماما ويختلف الذين يحملون المشروع فيما بينهم ، وبهذا يتم تصدير جزء من المواجهة والخصومة إلى داخل المشروع الإسلامي ، وهو ما يساهم في إضعاف كل الأطراف ، لصالح خصوم المشروع الإسلامي.

 وعموما فإن جدلية صراع ومدافعة الأفكار تستمر وتتواصل ، ومع أنها ليست معارك حاسمة، إلا أنها مؤثرة ومقلقة. كل أو جزء من تلك الهموم وبصيغة او أخرى  طرحها موقع الخلاص على واحد من أعمدة الفكر في الحزب الإسلامي الارتري للعدالة والتنمية الا وهو الأستاذ / علي محمد محمود أمين الشؤون السياسية والإعلام بالحزب وأجاب بصراحة ووضوح ، فإلى مضابط الحوار.

1-   من هو الحزب الإسلامي الإرتري للعدالة والتنمية  ؟ وماهي دواعي النشأة والتكوين ؟

الحزب الإسلامي الارتري كما يتبين من مسماه هو ارتري المهد والنشأة ، إسلامي المرجعية والانتماء ، هدفه العمل لتحقيق العدل لجميع الإرتريين ، برنامجه السعي من أجل التنمية الشاملة والمتكاملة للإنسان والتراب الارتري ، وهذه أهم  مرتكزات الحزب ومحددات ماهيته ، أما دواعي النشأة فليس مستغربا أن ينشأ حزب ذا مرجعية إسلامية مادام هناك مسلمون في هذا البلد ، وما دام الجميع تواقا الى التطور الذاتي والمواكبة السياسية من خلال مرجعياته الفكرية المختلفة ، وفي ارتريا خاصة ينبغي الا يُستغرَب نشوء حزب إسلامي وقد سبقت إرتريا دولا كثيرا في المنطقة في تكوين الأحزاب السياسية ومن بينها (حزب الرابطة الإسلامية) والذي كان يتبنى أهدافا جليلة يدندن الجميع حولها اليوم ، لم توفق أحزاب إرترية كبيرة حينها في تبني مثل هذه الأهداف ، فظللنا في التيه ما يقارب نصف قرن ، ثم ما المانع والخوف من وجود حزب إسلامي أو مسيحي او لا ديني ما دام أن الكل يزعم أنه يؤمن بالديمقراطية وحرية التعبير والتنظيم والتداول السلمي للسلطة ، وتم التوافق بين جميع الفعاليات السياسية الى الاحتكام للشعب من خلال صناديق الاختراع ، والتنافس من خلال طرح البرامج ، ويعلم المتابع للشأن الحزبي في الدول الغربية مثل ألمانيا والنرويج و إيطاليا والنمسا وبلجيكا وغيرها وجود أحزاب تحمل المسمى الديني مثل حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي في ألمانيا بل وأكثر من ذلك توجد دولة الفاتيكان وليس بلازم من ذكرنا النماذج أن يكون هناك التطابق الكلي .

2-   مرت الحركة الإسلامية منذ نشاتها بمراحل السرية والعلنية ومن حيث طبيعة المراحل الى كونها فكرية ، سياسية ثم جهادية وأخيرا تنشد الآن إقامة الدولة . والملاحظ أن معظم الحركات الإسلامية في العالم لها نفس هذا التمرحل المذكور ، فهل ذلك من صفة الإلزام ووجوب الإتباع ؟ وهل الأشكال هنا تعبدية وذات أصالة شرعية؟

 أن أي عمل كبير في العالم يتبناه إنسان يبدأ خاطرة ثم فكرة ثم قناعة ثم قيما ، أما قضية السرية والعلنية فليست بلازمة دوما وإنما هي حسب الظروف المحيطة ولكن الذي يلحظ حالة الطغاة على امتداد التاريخ يدرك أن أخطر من يخشاهم الطغاة على مصائرهم وسلطانهم هم المصلحون المنتمون ، ولذا يحاولون قمعهم وإسكات صوتهم قبل أن ينتشر ، وفي ارتريا بدأ "اسياس افورقي" عهده السياسي الطاغوتي في ظل الدولة الوطنية الوليدة باعتقال الدعاة قبل غيرهم ، حتى من قبل أن يرفع العلم الإرتري في سارية الأمم المتحدة ، فإذا كانت هذه هي طبيعة الطغاة فلا بد إذا من توخي الحذر الى حين اشتداد العود ، وانكشاف حيف الباطل وانحرافاته الكبيرة وانتهاكاته الفظيعة ، أما التمرحل من الفكرية الى الجهادية فهو تحول اضطراري تدفعك فيه الأنظمة المستبدة التي تستخدم العنف المفرط وتصادر كل الحقوق ولا تجدي معها كل المحاولات السلمية والمناشدات الدولية ، والإنسان السوي الحر بطبعه لا يرضى الضيم والذل (ولا يُقيم على ضيمٍ يُراد به *** إلَّا الأذلانِ عَيْرُ الحيِّ والوَتَدُ) وقد ظلت قيادات الحركة الإسلامية الإرترية ردحا من الزمن جزءا من التنظيمات الوطنية والنقابات الطلابية والعمالية ، تمارس العمل السياسي والجدل الفكري في إطار المنظومة الوطنية الموحدة ، ولكن عندما ضاق الآخر بالرأي المخالف ، وتصدرت العقلية الإستئصالية لحزب العمل في جبهة التحرير ، والطائفية في حزب الجبهة الشعبية الذي زاد من انتهاكاته الفظيعة للحقوق وتجلت طبيعته الطائفية ، كان لا بد من مواجهة ذلك عبر منبر مستقل ، أما السعي الى إقامة الدولة أو بالأحرى الحكومة فهو حق طبيعي لكل مواطن حسب ما يحمله من رؤيا يعتقد أنها تسعد الشعب وتحقق الرفاهية والاستقرار ، ونحن نحمل رؤية متكاملة لتحقيق تلك الأهداف تستجيب لمطالب المواطن بغض النظر عن دينه وتوجهه الفكري ، وأنا واثق من أن برنامجنا لإدارة شؤون الدولة سيتقبله المسيحي الملتزم إذا ما أتيحت الفرصة لمناقشته بصورة صريحة كما يتقبله المسلم ، وليكن المضمار بيننا والآخرين البرامج والأشخاص والممارسة .

 3-   البعض يتهم الحركة الإسلامية بانها تطرح حلولا ومقترحات غالباً ماتعتمد على اساس تصورات مسبقة دون الإقتراب من الواقع المعاش (بمعنى انها حلولا فقهية ) . ومع التسليم أنها أي الأطروحات أخلاقية لكنها ربما تفتقد الى آليات تطبيقية فعالة ولم تتجاوز مرحلة الشعار والنصيحة ما ردكم ؟

أولا دعنا نطرح هل الإسلام وضع حلولا تفصيلية معلبة في كل المجالات مكتوب عليها صالحة لنهاية الكون ؟؟ لم يقل ذلك الا في ثلاث جوانب احدهما العقيدة فكل مسلم سيظل يردد الى نهاية الحياة أن للكون اله واحد هو المتصرف فيه , وأنه أرسل رسلا مبشرين ومنذرين وأن الحياة الدنيا ليست هي نهاية المطاف وسيكون هناك يوم آخر تحاسب فيه الخلائق ، والجانب الآخر ما يتعلق بالأركان الخمسة والشعائر مثل الصلاة والصوم فلا يمكن أن يزاد فيه أو ينقص ، والثالث بعض من قضايا الأسرة مثل الزواج والطلاق والميراث ، أما ما يتعلق بالسياسة الشرعية وإدارة حياة الناس في مجالاتها الأخرى السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية وغيرها فقد ترك الإسلام الباب واسعا للاجتهاد والكسب ، إلا أنه أيضا لم يتركها هملا فقد وضع مبادئ عامة تعتبر سياجا واقيا من جمود الغلاة وشطحات المتحمسين المجافين حسب تطور الزمان والمكان والأفهام ، وانظر الى العمل السياسي في ظل الدولة الإسلامية في حقبه التاريخية ستجد تطورا واجتهادات اقتضتها طبيعة الحياة المتطورة وتشعب الأقضية وسعة انتشار الدولة وقد تلاحظ تغير القوالب ، مع بقاء المبادئ فلو كان الأمر محسوما لما وسع التالي أن يخالف السابق . فقط وضع الإسلام مبادئ للأداء السياسي فقال الله تبارك وتعالى {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} وقال تعالى {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ}.  وقد طبق المنهج الإسلامي وعاشت شعوب وديانات تحت سلطانه قرونا تنعم بالعدل والرخاء ، وهنا لا يمكن أن ندعي بأن كل دول الإسلام على مر الدهور كانت نقية من المثالب ، ففي هذا مجافاة للحالة البشرية ، فان من يطبق النهج الإسلامي هم بشر قد تعتريهم أحيانا حالات الضعف البشري من الأثرة والتأول ، أما في العصر الحاضر فلم يختبر النهج الإسلامي حتى يحكم عليه ، والذي ينظر إلى برنامج الحزب الإسلامي يدرك انه كان سباقا في وضع رؤية سياسية كلية ، وأرجو من أي منصف أن يستعرض برامج التنظيمات السياسية الإرترية قبل أغسطس 2004م هو تاريخ انعقاد المؤتمر الرابع للحزب ليدرك الفرق ، وكيف ان الآخرين ساروا على الدرب حتى وان اختلفوا معه في بعض القضايا ، ولا ندعي هنا أن الحزب اتى بما لم تستطعه الأوائل ، ولكننا نتحدث هنا عن روح الانفتاح الاجتهاد المتقدم في محيطنا ، وفي المؤتمر الخامس المزمع انعقاده قريبا إن شاء الله تعالى يتوقع أن تكون هناك اطروحات وبرامج أكثر تفصيلا وإحاطة حسب التطور الذي يشهده المجتمع الارتري والمحيط الإقليمي والعالمي ، وهكذا دينامكية العمل السياسي المرن في الإسلام يتطور مع تطور المجتمع ولذا كان من مصادر التشريع "المصالح المرسلة" وعلى كل لا يمكن للنظام السياسي في الإسلام ان يفقد خاصية الحرية والعدل والرحمة والعمل للنفع العام احتسابا وإلا انتفت عنه صفة الإسلامية.

4-   هل الإسلام برنامج مفصل ونهائي للقضايا اليومية ؟ أم أنه مصدر هداية يحدد القيم والمثل العليا والمقاصد الأساسية؟

 الإسلام جاء ببرنامج مفصل يومي في ما يتعلق بالشعائر والأخلاق وقوانين الأسرة ، أما في ما يتعلق بحياة الناس في السياسة والاقتصاد وغيره ، فيجنح الى المقاصدية والمبادئ فيما يسعه فيه الاجتهاد وعندما نقول المقاصدية لا نعني بها فهم بعض الحداثيين السائبين المنهزمين ، الذين يجردون النص من دلالته وروحه ، وينتزعونه من سياقه استلابا ، وإنما نعني ذلك الفهم الواسع وذلك التنوع الماتع الذي جعل من علماء الإسلام مسيرة مستمرة حافلة بالعطاء ، في كل العصور وفي كل القضايا ، ذلك الفهم الذي جعل بعض من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يصلي العصر أينما أدركته وهو في طريقه الى بني قريظة ، وقد أقرهم الرسول الكريم على ذلك الفهم الواسع ، بل يصف صلى الله عليه وسلم أصحاب الفهم الحرفي بقوله "انك لعريض القفا" لمن فهم قول الله تعالى (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) فهما حرفيا.

 5-   طرح نموذج الخلافة والإمارة هو تصور في غاية المثالية وقد تبنته بعض الحركات الإسلامية في العالم ماهي سمات المجتمع المطلوب عندكم  ؟  وماهو شكل الحكم الذي ينادي به الإسلاميون ؟ هل هو ثابت أم متغير؟ وهل المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة وغيرها يمكن أن تعتبر نموذج إنساني مقبول وبديل يمكن ان يدير العالم بفعالية؟

في العصر الذي ظهرت فيه الخلافة الإسلامية كانت هناك إمبراطوريات فلم يكن حينها مستغربا وجود نظام يقارب الموجود وان اختلف عن تلك الإمبراطوريات قانونا وتطبيقا ، ويعتبر في رأيي أنموذج الخلافة الإسلامية أنموذجا جيدا طبق في فترات التاريخ وقد تحققت في ظله مفاهيم الوحدة مع وجود التنوع والعدل والتنمية ، مع تقديس الحرية في العقيدة والرأي ، لا يسع المجال للاستطراد فيها ، ويكفيك أنموذج خلافة عمر ابن عبد العزيز وهي مرحلة من مراحل تطور أداء الجهاز الإداري والسياسي للنظام الإسلامي ، ومع هذا فإن شكل الهرم التنظيمي للدولة أو مسماه مما يتسع للاجتهاد ، فعمر كان أمير المؤمنين وابو بكر خليفة المسلمين ، فقط نحن مأمورون شرعا بالسعي الى تحقيق الوحدة والوفاق وإقامة نظام يحفظ البلاد والعباد من الانزلاق والفوضى ، وعلينا أن نستصحب أن الخصوصية القطرية كانت حاضرة حتى في ظل الخلافة الإسلامية ، مثل وجود الدولة الأموية في الأندلس مع وجود الخلافة العباسية في بغداد ، ودولا وإمارات أخرى في ظل الدول الإسلامية إما مستقلة او تابعة اسما فقط للخلافة ، وقد كان حينها علماء أجلاء لم يعتبروا ذلك خروجا ، إذن القضية فيها سعة ومرونة ، واليوم وفي ظل سعي الدول الى عولمة السياسية والثقافة والتجارة والاقتصاد فإن أشكال توسيع المظلات لا يعتبر مستهجنا بغض النظر عن الأسماء خلافة امارة جمهورية غيرها ؛ أما شكل الحكم الذي ينادي به الإسلاميون في ارتريا فان كل نظام يحقق العدل والمشاركة الواسعة ويحترم عقائد وأعراف الشعب الارتري ويتيح الحرية للجميع هو النظام الذي ننشده ، إذا المقاصد ثابتة اما القوالب فهي تخضع لطبيعة المجتمع وتطور الزمن ، ونقول مع ابن القيم رحمه الله تعالى (أينما وجد العدل فثم شرع الله). اما أنموذج الأمم المتحدة من حيث المبدأ يعتبر عملا مثمرا في اختصاصاته وبرامجه ، الا أنه لم يوضع في الأساس أن يكون بديلا عن الحكومات ولكنه ينسق بين الجهود ، ومن حيث الممارسة لا يشجع هذا الأنموذج على الاحتفاء به بسبب هيمنة نادي الكبار عليه بحيث فقد مصداقيته ، وهو بحاجة الى المزيد من التمحيص والتطوير حتى يحقق المقاصد الإنسانية بصورة عادلة ، ومن ثم ينظر إن كان  سيرتفع الى مقام حكومة العالم.   

6-   كثيرا ما نسمع مصطلحات الدولة المدنية ومجتمع المدينة ، ما هو مفهوم ودلالة هذه المصطلحات ؟ ومتى يمكن ان نطلق لقب المجتمع المسلم على مجتمع ما؟

لكل فكر سياسي مرجعيته ، والفكر الإسلامي يستند الى القرآن الكريم ثم الى السنة النبوية المطهرة قولا وفعلا وتقريرا ، ثم اجتهادات الصحابة وعلماء الأمة تأسيا واستئناسا ، وقد وضع الرسول الكريم وثيقة المدينة وهي تعتبر من أقدم الوثائق الدستورية التي أسست للوطنية في مجتمع متعدد الأديان ، فهي رؤية دستورية متقدمة ينبغي أن تدرس مع استصحاب البون التاريخي ، وكذلك ما حدث من التطور السياسي حتى في الفقه الإسلامي على مرور الحقب في هذا المجال ، وهناك من يعتقد أن الدول الإسلامية يحكمها شيخ عاكف في محرابه ، وهذا خلط سببه الجهل أو التشويه ، الحقيقة أن الدولة الإسلامية ليست هي الدولة التي يحكمها المشايخ بل ولا لتي حصريا يحكمها المسلمون ، فقد كان هناك وزراء ومستشارين يهود ومسيحيين في عهد الدولة الإسلامية كان لهم باع في تسيير شؤون الدولة ، فهي بهذا المفهوم دولة مدنية وليست دينية كما يفهمها من تأثر بالثقافة الغربية . اما المجتمع المسلم فنستطيع أن نستقيه من مفهوم معنى المجتمع كما يعرفه علماء الاجتماع : "هو ذلك الإطار العام الذي يحدد العلاقات التي تنشأ بين الأفراد الذين يعيشون داخل نطاقه، في هيئة وحدات، أو جماعات" فإذا كانت غالبية سكانه من المسلمين ، ورضي أهله التحاكم الى شرع الله وإن وجد معهم غيرهم دون أن تفرض أحكام الإسلام على المواطنين غير المسلمين (فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) له مالهم وعليه ما عليهم ، وهكذا المجتمع المسلم مجتمع مدني يسمح بالحرية للجميع والمشاركة الواسعة والالتزام بالقوانين التي تنظم حياة جميع المواطنين دون عنف أو إكراه ، والمجتمع المسلم ليس بمجتمع الملائكة بل هو مجتمع البشر يسعى الى تزكية نفسه ، الا أن النصيحة وممارسة النقد البناء في هذا المجتمع للسلطان والمواطن على حد سواء هي من الدين.

7-   هل يرضى الإسلاميون بمايختاره الناس أم يسعون لإرغام الناس على قبول إطروحاتهم الدينية ؟

الإسلام قرر أن (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ) فمن غير المعقول أن يكرههم في غيره ، وطلاق المكره لا يقع عند جمهور الفقهاء ، كما لا تنعقد بيعة الإكراه ، وقد قررها عمر بن الخطاب رضي الله عنه (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ) فنحن لا نرغم أحدا ، ولكننا دعاة الى الخير لا نمل من تبيين الحق للناس ونطالب الآخرين أن يخلًوا بيننا والناس ، ولا نقبل أن ينصِب شخصا أو حزبا نفسه وصيا على الشعب ، فالشعب هو من يختار بمحض اختياره ، لأنه يملك قدرة التفريق بين الغث والثمين.

8-   وماهو موقف الإسلامين من نظرية "المجتمع المدني" وهل موقفهم منها مؤقت أم دائم؟

الذي يتتبع نشأة الدولة الإسلامية ونظمها يدرك أن الحرية والاختيار كان سمة بارزة فيها ، وهو ما يعنيه مفهوم المجتمع المدني في بعض تعريفاته ، ومع أنه لم تكن في فترة الحكم الإسلامي أحزاب بالمعنى المتعارف عليه اليوم الا ان المنافسة بين المذاهب والفرق كانت واضحة ، وقد كانت بعض من منظمات المجتمع المدني في تلك العصور تمثل ركيزة هامة في بناء الدولة ، وإن لم تكن بديلا لها فكثير من دور التعليم والمرافق الخدمية المختلفة كانت تدار بواسطة المنظمات المستقلة ، وعرفت الدولة الإسلامية النقابات وأصحاب المهن كما عرفت تعدد الأديان والمذاهب الفقهية وتعدد الفرق الفكرية ، كما ان وظيفة إصلاح المجتمع وحمايته من المهددات الاجتماعية كانت حسبة ، بمعنى تقوم بها جماعة طوعية لا تتقاضى أي راتب من الدولة ، وإذا كانت الدولة الإسلامية منذ نشأتها أخذت بمبدأ الضمان الاجتماعي لمواطنيها فأن منظمات المجتمع المدني قدمت خدمات جليلة في هذا المقام ويعرف ذلك كل من له إلمام ولو محدود بالتاريخ ، والفكر الإسلامي فكر لا يضيق بالرأي الآخر ولا بالدين الآخر ينتشر في جو الحرية أكثر مما ينتشر في جو الكبت والتضييق ولذا نحن مع مفهوم المجتمع المدني بقدر سعة مفاهيمه.

9-   هل العلمانية تعني شرك في مواجهة الإسلام ؟ أم أن العلمانية حالة نفسية وعقلية تقف في مواجهة الدعوة الإسلامية؟ وماهو التوصيف الصحيح لمجتمعنا اليوم؟

يحدث كثير من الخلط في مفاهيم النخبة بسبب الاستلاب الثقافي والانبهار الحضاري مع ضعف مراجعة الموروث الحضاري الإسلامي ، ولهذا دائما ما تتم محاكمة الفكر الإسلامي وفق القيم الأوروبية ، التي هي أيضا تستند على الموروث الديني المسيحي ، كما يقول الأب فرنسوا عقل المريمي (( تنظر الكنيسة الكاثوليكيّة إلى العلمانيّة الصّحيحة(Laïcité) ، نظرة إيجابيّة منذ عهد البابا بيّوس الثّاني عشر الذي أعلن ما أسماه بالعلمانيّة السّليمة، كمبدأ أساسيّ من مبادئ المذهب الكاثوليكيّ. فهي تعطي لقيصر ما هو لقيصر وما لله لله)) فالإسلام واليهودية لا يقران بالفصل بين الدين والحياة ولا بين الدين والسياسة ، فمن يتبنى العلمانية إنما يتبنى وجهة نظر دينية معينة تقابلها النظرة الدينية الأخرى التي تعتبر أن الحياة كلها في قبة المسجد والكنيسة وفي قبة البرلمان ، في الأسرة والمجتمع في سوق الأوراق المالية وفي الجامعة كلها تخضع لموجهات الدين ، والا فقدت عنصر الرقابة الأقوى والمقصد الأسنى ، الا أننا نستطيع أن نفرق بين العلمانية الملحدة التي تنفي الدين بالكلية عن الحياة ، وبين العلمانية الأخلاقية التي تعترف للدين بدور مهم في الحياة ، وعلى كل العلمانية الملحدة ليست لها مكانة في ارتريا فالشعب الإرتري شعب مؤمن متدين بصورة كبيرة ، والدين يدخل عفو الخاطر في تفاصيل حياته ، ولذا على من يتطلع الى حكم ارتريا يجب عليه أن يستشعر ذلك ويحترم خيارات الشعب والا فهو في وادي التيه.   

10- يتهم البعض الحركة الإسلامية بأن شرائط الإنتساب اليها تلزم الفرد بأن تكون رؤاه ومواقفه مطابقة لرأي الحركة ومواقفها بمايشبه التنظيم العسكري الذي يأتمر بامر القيادة ويسير في إتجاه واحد ونادرا ما يكون ممارسة نقد الذات ، وربما غياب هذه الظاهرة يؤدي الى الإنشقاقات ومن ثم تعلو الأصوات وتجهر بالنقد في المنهج والممارسة وتتبنى إطروحات جديدة ما تعليقكم؟  ، ألا تتفق معنا بأن التظيم  الذي يحدد حركة الأفراد ويشدد في المواصفات  ويدقق في تفاصيل الأشياء هو تنظيم مصمم لأفراد معينين قلائل لا عموم الناس ومختلف الطاقات؟

من الخطأ أن نعتبر الحركات الإسلامية بأنها نسخة مكررة لمجرد أنها تشترك في المسمى الحركي ، ونجري عليها نفس الحكم دون النظر الى ظروف نشأتها وخصوصية مهد ميلادها ، فلكل حركة نكهتها الخاصة من حيث المنظومة الفكرية والتنظيمية ومن حيث اطروحاتها وأولوياتها واهتماماتها العامة فهي بنت بيئتها ، وما قلته صحيح ينطبق على بعض الحركات دون البعض ، حيث تتسم بطابع التبعية الصارمة متأثرة بالمفهوم الصوفي "المريد في حضرة الشيخ كالميت في يدي المكفن" وهي حالة تخالف ما كان عليه الصحابة في مراجعة بعضهم فقد اعترضت امرأة على عمر بن الخطاب وهو في المنبر في أحد قراراته ، فما كان منه الا أن تراجع عن قراره قائلا "أصابت امرأة وأخطأ عمر" ، وكان فيهم من يقول له لو ملت هكذا وهكذا لقومناك بالسيف ، فيحمد الله على الرقابة الشعبية الصارمة ويتقبلها بصدر رحب ، وهذا لا يناقض مفهوم الطاعة التي تعني الالتزام الواعي والتنفيذ عن فهم واقتناع ، الا أن بالمقابل ان هناك حركات تعاني من حالة السيولة التنظيمية بحيث لا تعرف الفرق بين الالتزام التنظيمي وبين الفوضى ، أما الحركة الإسلامية الإرترية بطبيعة نشأتها وتلاحق أكتاف قياداتها لا تعاني من هذا المرض فانتظام المؤتمرات والاجتماعات والسمنارات والورش والضوابط التنظيمية الملزمة في اختيار القيادات التنظيمية على كل المستويات عبر الانتخاب الحر المباشر ، وحسم القرار بالأغلبية البسيطة او الكبيرة حسب الموضوع محل النظر ، كل ذلك يتعذر معه وجود قيادات مهيمنة فاردة أجنحتها ، كما أن وجود مساحة واسعة للاختلاف المحمود والاجتهاد المنضبط داخل الحزب الإسلامي ساعد على انتفاء القطعيات في الأشكال التنظيمية والبرامج الوقتية ، دون الخروج والتنصل من الالتزام برأي الأغلبية مع احتفاظ كل صاحب رأي بحقه في بلورة فكرته عبر القنوات التنظيمية.

11- يتوهم البعض وجود مفاصلة بين الحركة الإسلامية ومجتمعاتها لذلك يستغرب عليها ان ترتكب أخطاء مثل الانشقاقات " وهذه ظاهرة مجتمعية بدأت مع الرابطة ولم تتوقف الى اليوم" من أين نتجت هذه المفاصلة أو القداسة للحركات الإسلامية؟

هذه حالة ملازمة للنفس الإنسانية فإن من يسعى الى الإصلاح مطالب في رأي العامة أن يكون فوق البشرية {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا} الا أن بعض الدعاة أيضا يتحملون جانبا من ترسيخ هذا المفهوم حيث يضيفون لتنظيمهم وقياداتهم الكثير من القداسة ، ولذا سيكون النقد على قدر ما أضفته لنفسك من الهالة صدقا أو ادعاءً ، ولذا لا بد من الخطاب الواقعي والشفافية في عكس البرامج والمراجعات الفكرية والبرامجية أما قضية الانشقاقات فللأسف أصبحت سمة إرترية ، وبدأت تفتٌ في عضد المجتمع تدريجيا حتى أضحت في كل قبيلة وفخذ وأسرة ، والحركة الإسلامية هي بنت مجتمعها ، الا أنها يحسب لها أن خلافاتها تجاوزتها بشكل حضاري بعض الشيء ، مما أمكن معه المراجعة السريعة والأخذ بمفهوم "نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه".

12- ماهو جهد الحركة الإسلامية في التصدي للمشكلات الفكرية التي تواجهها وأهمها تجديد خطابها الذي يستند الى المرجعية الدينية التي تختلط فيها نصوص الوحي بأفهام الأجيال السابقة؟

في عصر الفضائيات والانترنت والسماء المفتوحة لم يعد هناك مجال للانغلاق الفكري والسياسي والا فقد تتكلس الحركات السياسية والفكرية اذا تشبثت بخطابها التقليدي الذي هو مفهوم أشخاص لا مقصد دين ، وقد يتجاوزها المجتمع لتعيش وحدها في بطون الكتب وفي خلد قيادات عتيقة ، وقد انفض عنها الشباب فتموت تدريجيا عضوا عضوا ، والملاحظ أن معظم الحركات الإسلامية بدأت تلتفت لهذه المعادلة فبدأت مراجعة منظومتها الفكرية وأطرها السياسية وتفاعلها مع مطالب مجتمعها ، وهي حالة تنتظم اليوم كل الحركات السياسية والفكرية في الشرق والغرب ونحن إذ ندعو الحركات الإسلامية الى الارتقاء بمفاهيمها الفكرية لا نريدها أن تفعل كما فعلت منظومة اليسار في منطقتنا حيث التبدل الكلي إلى اللبرالية الرأسمالية ونكران للماضي كأن لم تكن بينها وبين فكرها القديم صلة ومعرفة (كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ** أنيس ولم يسمر بمكة سامر).

13- بعض الحركات الإسلامية تحوي داخلها هجين من المعرفة الدينية التقليدية والثقافة المجتمعية والأفكار الإنتقائية الوافدة من الغرب ، فهل نحن برءاء من ذلك سيما وان تكويننا ومنسوبينا كان في بلاد شتى ؟ وإذا كان ذلك كذلك كيف يمكن تلافي السلبيات؟

بالتأكيد إن نشأة الأفراد وتربيتهم في مناطق شتى يؤثر على نمط حياتهم وتكوينهم الفكري ورؤيتهم للذات والآخر ، وهذه الإشكالية سيعاني منها المجتمع الإرتري برمته بعد أن يعود الى أرضه ، حيث هناك أجيال ولدت وترعرعت خارج ارتريا وانفصلت عن موروثاتها وعاداتها وتقاليدها ، وحتى القليل الذي تعرفت عليه من ذلك سيكون مبسترا لأنها اكتسبته عبر النقل المشوه وليس عبر الملاحظة المباشرة عن الأجداد والجدات ، وهو أمر ينطبق أيضا على الجوانب الفكرية للحركة الإسلامية، وقد أدرك الحزب الإسلامي منذ وقت مبكر التشكل الذي يمكن أن تحدثه البيئة في فكر وهيئات الأشخاص ، ومن ثم حاول الحزب تحصين كوادره من خلال البرامج الفكرية والحوار الداخلي المستمر وتوحيد الرؤية حول القضايا الكبرى ، أما القضايا التفصيلية وما يسعنا فيه الاختلاف لا نحرص على صب العضوية في قالب واحد ، والا أصبح هذا التنظيم ألواحا خشبية قطعت بمقاسات هندسية موحدة وهو الموت المؤكد لتنظيم هذه خاصيته ، ومن جهة أخرى لا ننفك نبين لكوادرنا إن واقع إرتريا وتكويناتها الاجتماعية والدينية واللغوية بل وحتى مزاج مجتمعها يختلف عن المجتمعات التي حولها ، فلا ينبغي أخذ وصفة و(روشيتة) مجتمع آخر مهما كان قربه لمعالجة قضايانا.

14- مواثيق وعهود بعض الحركات الإسلامية تنص صراحة أنها تلتزم بالكتاب والسنة على مفهوم السلف الصالح. ألا ترى ان ذلك يوقف العطاء المستمر للقرآن الكريم عند حدود عصر معين وفهم محصور؟

 الأعم أن يقال مفهوم السنة والجماعة أما مفهوم السلف الصالح لا يفهم منه الاستنساخ وإنما الأخذ بالضوابط التي تحافظ على نقاء الدين عند الإتباع ، والسلف نفسهم قد اختلفوا في قضايا متعددة ، وتفاوتت اجتهاداتهم حول مسائل مختلفة وإلا كيف يمكن أن نفهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح  "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" ؟ لاحظ تعبير دينها  فينبغي أن نأخذ بالمنهج لمعالجة قضايا عصرنا التي لم تكن في العصور التي سبقتنا وهكذا يمكن فهم صلاحية هذا الدين لكل زمان ومكان ، أما إذا فهم مفهوم السلف الصالح كما عند البعض فهما حرفيا جامدا في مسائل بعينها فهذا يناقض روح هذا الدين وتاريخ الإسلام الممتد ، الذي كان يسع اختلاف الفرق حتى على مسائل العقيدة بغض النظر عن قرب تلك الفرق وبعدها عن العقيدة الصحيحة ، وكانت تعقد المناظرات بينها في دار الخلافة أو المسجد ، وهكذا أقر الإسلام مفهوم الحرية الفكرية بشكل عملي كحق تمنع مصادرته ، كما أن باب الاجتهاد سيظل مفتوحا ينهل منه كل من اكتسب أدواته الى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

15- كما تعلمون إرتريا بلد ثنائي اللغة ثنائي الدين متنوع اللهجات والثقافات ، في ظل هكذا مجتمع  ما هي الوسائل الفعالة لإيصال الرسالة التي تحملونها ؟

وضع القرآن الكريم مبادئ ومحددات هامة كإطار مانع لمن يقوم بوظيفة الدعوة الى الله ، ووظيفة الدعوة كما هو معلوم لا يعفى عنها أحد في الإسلام قال تعالى ((ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)) ويخاطب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه من بعده ((وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)) ومن هنا ندرك أن ممارسة الدعوة ليست هي إلزام الحجة فقط وممارسة التقريع والتفريغ لما يحفظ من النصوص كما يفعل البعض ، وإنما المطلوب حب الهداية للآخر ، وتخير ألطف الأساليب لمخاطبته والاستمرار على جداله بالحسنى إن كان من أهل الفكر والدراية ، مهما كانت مساحة الاختلاف بينك وبينه ، والذي يتتبع سيرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في الدعوة ، ويستعرض النماذج التي أوردها القرآن يستغرب أسلوب بعض الدعاة اليوم فهو من فصيلة "منفرين لا مبشرين" ، يتحدث مع الناس كأنه ضَمِن مقعده في الجنة والآخرين في النار ، وصاحب هذا الفهم السقيم بالتأكيد هو بحاجة الى إصلاح ذاته قبل دعوة غيره ، أما الوسائل فينبغي أن يستفيد الداعية من كل وسيلة يتيحها له عصره ما لم يكن فيها إثم أو قطيعة رحم ، وقد اشترط بنو تميم لدخول الإسلام أجراء المناظرة الخطابية والمسابقة الشعرية بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم فأجابهم الى ذلك ، فدخلوا في الإسلام بعد أن اقروا بتفوق الأداء الإعلامي لرسول صلى الله عليه وسلم من خلال خطيبه وشاعره ، إذاً كل وسيلة أو لغة تساعد على نشر الدعوة يجب الأخذ بها دون الاقتصار على وسيلة بعينها ، والأهم من كل ذلك المصداقية في القول والفعل.

 

= انتهى =

 

 

 

اعلي الصفحة