altلا تحسبوا أن في دار ا لهجرة عن الوطن شهداً لذيذاً ، وإنما وصلناها فوق الأشواك الأليمة ، وبقدر ما نرجوها أن تمنحنا أمناً ورخاءً وسعادةً فهي تسلل لتنتزع عنا قسراً ما جئناها به من قيم ، وعرف وسعادة ولهذا يتاكد لدينا كلما طلع فجر ، أو برقت شمس ، أن لا وطن يعادل أرض الصدق أرتريا، ولا قرية تعادل قريتي الصغيرة الوادعة مسقط رأسي ومرتع صباي !

إنه قدري أن أعيش في وطن الغربة تاركاً بلدي وأرض أجدادي التي استنشقت أول أنفاسي من هوائها ، وخطوت اول خطواتي على ترابها، لقد حملتنا أكف الظروف، وأودعتنا خلف المحيطات ، ووراء الجبال نعيش نهار أهلنا ليلاً ، وليلنا يصافح فوق الأهل نهارهم ، نراهم على ساحل الذكريات ؛ لاسفن تقلنا ، ولا نورس يوصل حنين الكلمات.

عندما يبكي الرجال؟

لقد سرنا في يوم تكبدنا المشاق من أرض الضيافة الخرطوم إلى تركيا وفي هذه الرحلة ضاقت صدورنا حيث رافقتنا ذكريات الأهل بكل خطوة نخطوها واختلطت دموعي بدموع أبنائي وأنا أدبر دار الضيافة الأولى إلى أختها لكن أبعد منها مسافة وأشد منها غربة لا أنفاس فيها لوطني ولا علاقة لها بالتاريخ والأهل والذات .

لكننا مضينا نبحث عن الوطن بالبعد عنه، وعن الأمل بالقرب إلى العذاب ، وعند الوصول إلى تركيا كثيراً ماكنت ألاحظ عيون الناظرين تحاول إختراق حصني الحصين لمعرفة من أنا ؟ وأنا المعذب بنظرتهم وسؤالهم !

هل انا مجرم؟

كنت أخشى من الأسئلة المتكررة وفحص المستندات أكثر من مرة ومع أني كنت أقف في أول الصف للإجراءات يطلب مني الموظف الإنتظار إلى أن يخلص من آخر واحد في الرحلة ثم يبدأ بفحص مستنداتي ويشرك خبراء آخرين معه وكأنها نوعاً من الحشيش . يا إلهى إلى أي حد يستحق عبدك الضعيف الغريب هذا العناء ؟ !! إلى متى يجنب مثل البعير الأجرب ؟ إلى متى تلف به الشكوك ؟

كان أولادي متعلقين بملابسي يطلبون مني ان أحضر لهم كوباً من الماء ووجبة الإفطار ولكن للأسف انتهى الوقت في الإجراءات وحان وقت الإقلاع فحملتهم إلى مدرج الطائرة يمسحون دموعهم بإيديهم في وضع الصامت لأنهم لم يتقبلوا نفسياً الوجبة المقدمة للمسافرين على متن الطائرة  

قدمت إليهم وجبة مكيسة بدأت كانها حبيسة على غير إجرام مثلهم ، يريدونها حرة طليقة كعهدهم بها في صحون بيتهم ، يريدونها كسرة بإدام أو عصيدة بويكة أو خبزة بفول (مصلح) لكنكم يا أولادي ما أدركتم أنكم بين السماء والأرض معلقين وطعام الأجواء ليس لطعام الأرض !

وبدت عليهم أعراض مرضية مصحوبة بحمى وقيء شديد فقد أدركت معدتهم كما أدركت شهيتهم الطعام الغريب والجو الغريب والرحلة الغريبة!

سويسرا!

كانت المحطة المقصودة في رحلتنا دولة ( سويسرا ) فقد وصلنا وكانت المفاجأة الأولى ا لتي كادت ان تقضي علينا جميعاً اختلاف الطقس لأننا لم نكن مستعدين له بلوازمه هو صقيع وبرد قارص حتى لتشعر أن رأسك أصبح منفصلاً عن باقي جسدك.

ثم عند وصول مركز استقبال المهاجرين شاهدنا عدداً هائلاً من الوجوه والأشكال المتنوعة من كل الجنسيات، وجوهاً بيضاء وسمراء وحتى صفراء، فقلنا : هذا مايسمى التقاء الحضارات ولكننا وجدنا هذه الوجوه بلا ملامح.

عناصر الأمن التي كانت تحيط بنا من كل جهة صعدوا بنا بعد إكمال الإجراءات التي كانت قاسية جداً إلى الطابق الثاني، الغرفة لا تتعدى مساحتها 6×3 بها 10 أسرة "سرائر" بعضها فوق بعض، وقد فصلو بيني وبين أطفالي المرضى فهم مع والدتهم في الجزء المخصص للنساء اللاتي يصعب التفاهم معهن إلا بلغة الإشارات كالصم البكم.

مفاجئة البرد

ووضعوني في قسم آخر مخصص للرجال أغلبهم من مرتادي الإجرام الذين يعملون في تجارة المخدرات ومحترفي السرقات.

أطفالي وزوجتي أطلقو أشرعة الدموع تبحر على خدودهم وبما أن البرد كان قارصاً كادت تكون أكواماً من الثلج على نحورهم، لكنني أنا حاولت أن أكتم ألمي بداخلي وإن كانت ستوضحه عيوني.

وقد كنا قد ادمنا شرب القهوة في بلادنا لكن هذه المرة تركنا شرب القهوة لأن مرارة أوجاعنا كانت كافية لم تحوجني إلى شرب القهوة.ومن هنا كانت تتسرب عنا بعض عاداتنا وأخلاق أهلينا وقيمنا لتفسح مجالاً لعادات أخرى وقيما أخرى وأموراً أخرى !!

مكثنا في هذا المركز أسبوعين ثم تم تحويلنا إلى مركز آخر مكثنا به أربعة أشهر كان للأيام فيه طعم آخر وكان الوقت يمر ببطء شديد من شدة التفكير وكانت الذكريات هي البلسم الشافي الذي يهدئ من ألم الهموم الذي لازمنا باستمرار في طريق الهجرة.

في الغربة تحاصرك الوحشة والأفكار السلبية الناجمة عن انفصالك التام عن إيقاع حياتك المعتادة والاستسلام لهذه المشاعر يدفع إلى مزيد من وحشة الروح وخواء الإحساس وطغيان الشعور بالفراغ والسقوط في أعماق الإنطواء.

ذكريات

في الغربة يمكنك أن تغلق عليك باب غرفتك وتنعزل عن الناس وتعيش همك الأثقل من الجبال.

ويأتي العيد في بلاد الغربة فتحاول إكتشاف الفرح في عيون الناس لكنك تصطدم بما يملاء تلك العيون من هموم وإنشغال وتبلد في المشاعر حتى لاترى من يشاركك الفرحة في العيد وتقول له أويقول لك(عيد مبارك) وتكتفي بالرسائل الصوتيه أوالرسائل المكتوبة التي يحملها إليك الجوال من وراء الجبال والمحيطات.

وتبحث عن الجار الذي يشاطرك الهموم ويتفقد أحوالك فلم تجد شيئا فكأن البيوت التي حولك قبور لاصوت ولاصورة يطل عليك منها، لامجال للمرء سوى نفسه ورفيقه الكلب الذي تأثر بصاحبه وباتت عليه نفس المشاعر.

مواقف يقف معها نبض القلب:

1/ إخوتنا الإرتريون في هذا البلد يعيشون أوضاعاً صعبة جعلت الابتسامة مريضة، على شفاهم جاؤا إلى هذا البلد عبر البحر وهم يعلمون مخاطره لكن فضلوا هذه المخاطر من تحمل بني جلدتهم لكن معانتهم لم تنتهِ يعد فهم يقاسون الأمرين:

أ - تشردهم من بلادهم.

ب – ضياع بنية الأسرة الأخلاقية فقد تنهار الأسرة التي تتقاذفها موجة الإنحراف وتسقط تحت دوافع غريزية ونفسية مكبوتة وقابلة للإنفجارفي أي لحظة.

ونتيجة لذلك تكثر الإختلافات بين الأزواج بشكل مريب ودائماً مايكون الزوج هو الضحية لأن القانون يقف مع الزوجة وأطفالها ويصدر بحق الزوج الحكم بالإبعاد في قطاع أخر فيصبح الزوج أمام خيارين:

1 – أن يرضى بحكم الإبعاد ويتخلى عن زوجته وأطفاله.

2 – أو ان يستجيب لشروط زوجته المخلة دينا وخلقاً وعرفاً فيعود بارداً إلى فراشه الساخن من دنس الخيانة.

3 – وبعض الأخوة الإرتريين الذين طاب لهم المقام في هذه البلاد مازالت عينهم على الوطن إرتريا كي يعودوا لا مقيمين فيه بل لقبور أهلهم زائرين.

وهكذا الإرتريون بعد المعاناة في الداخل جاءت معاناتهم في الخارج من دولة إلى دولة ومن سجن إلى سجن وتشريد أسر وإتجار بالبشر وغرق في البحر عبر قوراب الموت، وحتى الأن لم نعلم من أمرنا شيئاً وأمتنا لاتحرك ساكناً

 

اعلي الصفحة