جمعتني جلسة أنس مع بعض الاحبة المهمومين بأمر الدعوة وكان الحديث حول الوضع الذي يعيشه عالمنا والاوضاع التي تعتري المنطقة فأرض الكنانة وموطن خير اجناد الارض تتردى في دركات هوة سحيقة وأفق ليبيا

عمر المختار مذل الطليان وهازم الطغيان ملبد بغيوم التآمر، ومهد الحضارات ومأوى البطولات ومثوى سيف الله المسلول شام الخير والبركات ينزف القاني هطولا وارض الرافدين رمح الله وكنز الرجال يتعرض للقهر ويسام سوء العذاب ويمن الحكمة تنتاشها سهام الغدر وعز الامة ومسرى الرسول-  صلى الله عليه وسلم - مسلوب يتحكم فيه احفاد القردة وارض الصدق تئن تحت نير الطائفية البغيضة .

وكأني بأولئك الاحبة قد استبطؤوا النصر واستطالوا الطريق ولف المجلس وجوم غريب وكان كل منا يستعيد شريط الذكريات والآمال والطموحات ويقارنها بما آلت اليه الاوضاع فعن لي أن نستحضر في مثل هذه اللحظات أن المطلوب هو إخلاص العمل ومضاعفة الجهد والتحلي بالصبر.  

     وذلك لإن من جند نفسه لدعوة الله والعمل علي نصرة دينه ،يعلم أن طريق الدعوة شاق وطويل، حافل بالعوائق والعقبات ، محفوف بالمكاره ، مشوب بشهوات النفس وضعفها ، واستعجالها الثمار ، ومحاط بإيذاء الطغاة وكيدهم ، وقلة النصير، وضعف المعين ، ونزعات الهوى، ووساوس الشيطان .

     لكن المؤمن بنصر الله يستعلي علي ذلك كله ، فيصبر علي مرارة الجهاد ، ومحن الابتلاء . يعيش دائم الصلة بالله في طمأنينة وثقة وجد وخشوع ، ويجعل نصب عينيه دائماً قول الحق تبارك وتعالي:- (ياأيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين) البقرة الآية (153) ، فهو معهم لا يتركهم لطاقتهم المحدودة ، أو يكلهم لقوتهم الضعيفة ، إنما يمدهم حين ينفذ عنهم الزاد ، ويجدد العزائم عندما تخور وتفتر الهمم من طول الطريق ومكابدة المشاق .

     فالصبر زاد الطريق ، وتربية للنفوس ، وصقلاً لها ، وإعداد للأمة ، هو التجمل في مواطن الابتلاء ، والتحمل في ميادين التمحيص ، والثبات عند النوازل ، بل هو الرجاء فيما عند الله والثقة بنصره ، واستشعار معيته ، والاعتماد عليه .

وفوق ذلك هو وسيلة المؤمنين العاملين في حقل الدعوة الي الله ، لأنهم الثلة المنوط بها القوامة علي البشرية جمعاء ، وإقامة العدل ، وربط قيم السماء بالأرض ، وإصلاح المجتمع ، وإعمار المعمورة ، فالبصبر تتهيأ الفئة المؤمنة لمشاق الطريق ، وهول البأساء والضراء وزلزلة البأس (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أوليك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) البقرة الآية (177)، فبالصبر يتغلب الداعية علي الأهواء والشهوات ، وبه يتسامى علي الجراحات والآلام ، ويستعلي علي الشكاية والتضجر والجزع والقنوط ، وبه يناهض قوي البغي والعدوان ، صبرا علي الأذي، وتجلداً في المواجهة ، وثبات علي المبادئ في ثقة وإطمأنان وتسليم بحكم الله ورضاء بقضائه .

       وللصبر ألوان وله مقتضيات فصبر علي تكاليف الدعوة والقيام بأعبائها ، وصبر علي الطاعات ، وصبر عن المعاصي والشهوات ، وصبر علي الاذي ومخالطة الناس ، وصبر علي طول الطريق ، كل ذلك والمؤمن محتسب يبتغي بذلك وجه الله تعالى (والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وانفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية ويدرؤون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار) الرعد الآية (22).

       والصبر هو توجيه الله سبحانه لرسوله ، وخطابه الخالد لمن سار علي نهجه (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك الا القوم الفاسقون ) الأحقاف الآية (35) ، (فأصبر علي ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن أناء الليل فسبح واطراف النهار لعلك ترضى ) طه الآية (130) (وأصبر صبراً جميلاً إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً) المعارج الآيات (5- 6) فالصبر هو جماع الأمر في المنهج الاسلامي ، وهو من الكليات الأساسية في طريق الدعوة ، والنصر دائماً في نهاية الطريق (ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا علي ما كذبوا وأوذوا حتي أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين ) الانعام الآية (34).

فالتحلي بالصبر ضرورة يقتضيها ثقل العبء ، ومشقة الطريق ، وساعة النصر هي عند الله وهو وعد متحقق لا محالة (فأصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون) الروم الآية (60) مهما تطاول الأمد، ومهما تعقدت الأمور وتقلبت الأسباب ، فان سنة الله ماضية ، ووعده حق لا مبدل لكلماته ، ولا معقب لحكمه وأنه تعالي لا يعجل لعجلة أحد من خلقه ، إنما أمره قدراً مقدوراً.

     فالداعية مأمور بأداء واجبه ، صابراً محتسباً ، غير مكلف بالنتائج ، فقد تكفل الله بنصر دعوته وإظهار دينه ، (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلو من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متي نصر الله ألا إن نصر الله قريب) البقرة الآية (214) ، (وكأي من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين) ال عمران الآية (146) ولقد وعد الله عباده بالنصر ، ووعده حق ، وكلمته قائمة لا تتخلف (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون) الصافات الآيات (171،172،173) ،(كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز) المجادلة الآية (21) ، (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) غافر الآية (51) ويعطي الله علي الصبر أجراً بغير حساب (قل يا عبادي الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب) الزمر الآية (10) فلن يضيع الله أعمال الفئة الصابرة من عباده ، سيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ، ويهديهم سبيله (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين) العنكبوت الآية (69).

اعلي الصفحة