ما تعاني منه أرتريا من استبداد يشترك في صنعه الطرفان المسبتد والمستبد به في شراكة تذوب فيها الذاتان القوية القاهرة والضعيفة الذليلة الراضية بالخنوع وذلك لان لكل شخص في هذه المعمورة سمات وخصائص يتفرد بها عن غيره وتشكل هذه السمات والصفات جوهر شخصيته وبنائه الذاتي النفسي الذي يتحرك فيه بعلاقته مع الآخرين. والسلوك الناتج عن هذه الشخصية له علاقة بهذا البناء، فإما أن يكون سلوكا وسطيا معتدلا.. أو يكون تجاوزا

لهذه الوسطية والاعتدال، إما باتجاه الطغيان ضد الآخرين، أو بالخنوع والانهزام والعبودية لهم. ويحمل الأخير (الخانع المهزوم) بين جنباته نفسا متصدعة آيلة إلى السقوط والانهيار في أي لحظة.. لذا يحاول أن يجد متكأ يتكئ عليه ليسنده من هذا الوقوع والانزلاق.. فلا يجدها في داخله (ذاته) فيبحث له عن مصادر قوة من الخارج ليقوي بها هشاشة ذاته.. فيلجا للتعلق بالغير، إما عبر التقليد، أو التوحد به..وهذا التعلق بالغير النابع من الدونية، يولد الرغبة في الخضوع والخنوع له، كحاجة ومتطلب نفسي أساسي وضروري ليهرب من العجز النابع من ضعف الذات، إلى القوة النابعة من الالتصاق بالأخر.. بأي شكل من الأشكال.. سواء بالتبعية أو التوحد أو الاندماج.. وبذلك يخرج من إطار الإرادة، إلى إطار الذلة والخنوع والهوان.بمزيد من الهروب من الحرية وكلفتها إلى العبودية.. فتتخلى طائعة عن بعض حرياتها أو كلها من أجل حل هذا التناقض.. وبذلك يحول الخانع المهزوم بقبول ألم العبودية وبرضى واستسلام وبلذة أحيانا، بما يوقع عليه من ألم من قبل الآخرين، ويشعر بأن ذلك الألم هو شيء طبيعي لا يجب أن يتذمر منه، بل عليه أن يرضى ويسلم ويقبل به طائعا، لأنه خلق لذلك، وأن هذا هو دوره بأن يكون هو العبد دوما، الذي يبحث عن سيد، يقدم له الخنوع والخضوع والطاعة والتسليم، وبالتالي لا ينفعه أن يكون حرا. إن الشخص الخانع المهزوم، يملا كيانه الخوف من تحمل المسئولية الناجمة عن كونه حرا، فيحاول دوما الهروب من خوفه الذي يتفاقم بداخله يوما بعد يوم. فان ذات المهزوم تبحث عمن يوفر لها هذا المطلب، حتى إذا وجد المهزوم طاغيا أو باغيا، يحقق له ما يريد من ذل وخضوع وخنوع.. فانه الهدف المنشود..لأن هذا الطاغية بالنسبة له مطلب ومبحث يجد راحته فيه..فهو يمثل له القوة التي يشعر في الخنوع والخضوع لها بالأمن والأمان، لأنه يشعر أن ذاته لا تحقق له هذا الأمن والأمان. إن ذات المهزوم ممزقه فهو يعيش بين رغبتين رغبة السيطرة، ورغبة الخضوع..ويحاول دوما أن يوفق بين هاتين الرغبتين.. اللتين تتنازعان ذاته..واللتين بتنازعهما وصراعهما يولدان لديه انقساما، تجعله ممزقا بين الخنوع والخضوع لمن هو أقوى منه وأقدر ليستمد منه سيطرته وقوته..وبين السيطرة والتحكم بمن يشعر بأنهم أدنى منه، فيسعى لكبتهم وممارسة القسوة والعنف ضدهم.. وهو في كلا الأمرين يدمر ذاته وكيانه الداخلي، وتضيع من ذاته استقلالها ووحدتها، مما يقوده إلى مزيد من الضعف والعجز والهوان. يقول عالم النفس فروم (إن الشخص الخائف المذعور يبحث عن شخص ما أو شيء ما يربط به ذاته.. لأنه لم يعد يطيق أن يكون شخصاً ذا ذات فردية مستقلة فيحاول وهو في حالة هياج شديد أن يتخلص منها وان يشعر بالأمان من جديد من هذا العبء الذات) إن الشخص الخانع المهزوم يعتبر التخلص من استقلال وحرية الذات لديه، هدف في حق ذاته يسعى إلى تحقيقه -بخلاف الشخص السوي الذي يسعى لتحقيق ذاته- فالحرية والاستقلال عبء عليه يجب التخلص منه.. وهذا الهدف واضح من النزعات الاستسلامية التي تغمره، فيسعى بها للخضوع لشخص أو قوة أو سلطة ما، ويشعر أنه بدونها لا يساوي شئ.. لأنه يشعر بضآلة وضحالة ذاته.. ويزداد إحساسه بتفاهة هذه الذات، لأن الخوف يزداد لديه يوما بعد يوم، فيحاول جاهدا أن يعيد لذاته تماسكها لا بتقوية هذه الذات ، وإنما بمزيد من الالتصاق والارتباط بقوة طاغية باغية فيحاول جاهدا أن يعيد لذاته تماسكها لا بتقوية هذه الذات ، وإنما بمزيد من الالتصاق والارتباط بقوة طاغية باغية. ويقول فروم في هذا السياق (إن الخانع يبحث عن التكامل.. أي اشتراك فردين مختلفين في معيشة واحدة لفائدة كل منهما مع ذات أخرى.. أي بمعنى آخر هو اتحاد ذات الفرد مع ذات أخرى بطريقة تجعل كلاً منهما يفقد تكامل ذاته أو استقلالها، ويعتمد على الآخر اعتمادا تاماً أي يبحث كل منهما عن أمان لدى الآخر مع الاختلاف في الهدف.. فالخانع المهزوم يحتاج للطاغية لكي يبتلعه.. والطاغية يحتاج للخانع ليبتلعه.. وفي الحالتين تضيع استقلال الذات.. فالطاغية يوسع من ذاته بحيث يبتلع الآخر ويصبح جزءاً من ذاته لا يستغني عنه.. والخانع يذيب نفسه في قوة خارجية يحصل على القوة التي كانت تنقصه.. لأنه يحتاج لذلك لعجزه عن تحمل وحدة الذات واستقلالها، وهو الدافع للدخول في علاقة مع هذا الآخر الطاغية).

اعلي الصفحة