إن العبادات - من صلاة وصيام ونحوهما- ليست غاية في ذاتها،

ذلك لأن أخبار الدين تقرر أن صاحب العبادات ليس ممنوحا شهادة القبول لدى الله تعالى بمجرد وقوع الصورة الأدائية لعبادته، حتى لو جاء هذا الأداء مزخرفا بجاذبية لافتة وإنما العبادات وسائل نحو غاية فوق تلك الوسائل.

فالغاية هنا هي الأخلاق أي ؛ أن تؤدي العبادات إلى تجسيد ماثل لخلق نبيل ،واستقامة دائمة بسلوك فضيل، وسيرة صادقة تتبدى مشهدا ،وتتأدى محمدا.إذن ؛ فالعبادات وسائل ومقدمات،لتنشئ الأخلاق والقيم في نفوس المتعبدين، والتاريخ الناطق يحدثنا وكذلك الحاضر المعيش بأن فئاما من الناس تسهر بهم صلوات دائبة ، ويستغرقهم دهر صائم، وتتمادى بهم تلاوات مترنمة للقرآن ، وغير ذلك، فيظهرون بتلك المبالغات في العبادات ، وقد أجبروا أنظارًا على الإعجاب بهم ، وأنفسًا على محاكاتهم مأخوذة بصلواتهم وصياماتهم وقراءاتهم تلك ، حتى صار المأخوذون يحتقرون عبادتهم مع عبادة هؤلاء، إن هؤلاء المكثرين المبالغين يكون منتهاهم من تلك التظاهرة بالعبادات إلى نتيجة خائبة مؤسفة؛ إنهم "يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية " كما جاء ذلك في الأحاديث الصحيحة.


 وقد ذكروا للنبي عليه الصلاة والسلام - فيما أخرجه الحاكم وأحمد وقال العراقي : صحيح الإسناد -

"أن امرأة تصوم النهار وتقوم الليل ، وتؤذي جيرانها ،فقال :هي في النار"

والسبب أنها اجتهدت في الوسائل وأجهضت الغاية،أي : اعتنت بالعبادات ،

وأساءت في المعاملات والأخلاق!! وفيما رواه مسلم، والترمذي، وأحمد، وغيرهم، أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال : (إن المفلس من أمتي - هو من - يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أُخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار) وفي هذا تبيان إيضاحي بأن الوسائل من صلاة وصيام وحج وغير ذلك مهما كانت متكاثرة ومتضاعفة فإنها تصير صفرا مادام الفشل ذريعا في الغاية التي هي الأخلاق والقيم.

وفي التنزيل المعجز تقرير مهم بهذه التراتبية بين كون العبادات وسائل وأسبابا وكون الأخلاق أهدافا لها وغايات.فالصلاة - مثلا - ليست غاية في ذاتها بحيث ينتهي مقصود قيمومتها بمجرد انتهاء أدائها ، كلا.

بل "إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر" فإذا لم تكن للصلاة هذه النتيجة التربوية فالصلاة حينئذ هي والعدم سيان ،

كما جاء في الأثر القائل : من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له.أي ؛ إنها إذا لم تكن منشئة في نفس المتعبد بها هذه التزكية الأخلاقية فإنه لم يكن مقيما للصلاة المحلاة ب"أل" العهدية.

والكلام نفسه يقال عن الزكاة لأن الغاية منها" تطهرهم وتزكيهم بها" .

وهذا المعنى عينه مطلوب في الصيام، لأن الهدف منه "لعلكم تتقون" .

والتقوى تجسيد تعاملي صادق يتحقق به سامي القيم من عدل ووفاء ورحمة وإخلاص وتضحية وولاء للحق، وبراء من الباطل ، وأمر بمعروف ،ونهي عن منكر الخ.

والذين يتمظهرون بأداء الشعائر التعبدية - من صلاة وحج ونحوهما - على وجه فخيم ،ومرأى لافت - ثم لا يلبث المرء أن يلفيهم قاسطين، أو يجدهم ساقطين عن قيم العدل والصدق وموالاة الحق ونحوه، ويراهم يوالون الطغاة ، ويسكتون على المنكر والظلم والفساد، ويطيعون المخلوق في معصية الخالق ، هؤلاء ماهم إلا شاكلة لتلك المرأة التي أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عنها، إلا من تاب منهم وأناب،

وهذه الشاكلة هي اليوم من الظهور والانتشار بمكان، فقد أصبحت طافحة وطافية في كثير من الأماكن "وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا "

"وإذا قيل لهم لاتفسدوا في الأرض قالوا إنمانحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون".فالمطلوب إذن :

أن نتخذ من الشعائر التعبدية خدمة جارية في تغذية الأخلاق وعوامل ممدة للقيم ،ومصانع منتجة للسلوك القويم ، والمعاملات الصادقة.

أما في الحالة التي تشتد فيها الشعائر التعبدية وتتزخرف مع تلاشي تلك القيم واندثار تلك الأخلاق فعلى أولئك المغرورين بالمبالغة المظهرية مراجعة أنفسهم ، وتمحيص تدينهم المغشوش، ولذلك : فكم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش""وكم من قائم ليس له من قيامه إلا التعب والسهر" كما ورد في الأحاديث.

إن تصنيف أحكام الفقه الإسلامي وموضوعاته إلى عبادات ومعاملات هو نهج دأب عليه الفقهاء من قديم الزمان وحتى الآن.

والمعاصرون أضافوا إلى ذلك قسما ثالثا وهو الأحوال الشخصية ، ولو تم إدراجه في المعاملات لكان أمرا سائغا .وفلسفة ذلك مبنية على أن ما كان - من الأحكام - مقصودا به التقرب إلى الله كالصلاة والصوم ونحوهما سمي " عبادة" وما كان منطلقه المصلحة الدنيوية كالبيع والإجارة ونحوهما من العقود والتصرفات سمي "معاملات"ولكني قصدت بالمعاملات المحمود من الأخلاق التي يأتيها المتعبد دينا والتزاما، لكن هذه يمكن أن تقترن أيضا بمعاملات الاصطلاح الفقهي سلوكا واتصافا.

ثم إن كون الشعائر التعبدية وسائل للأخلاق والمعاملات هو ما استفاضت به مقررات الدين ومنصوصاته كتابا وسنة واجتهادا ،

وقد استدللت على ذلك ببعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية .

وإضافة للمتقدم ذكره فإن هناك الحديث الصحيح عن الثلاثة الذين هم أول من تسعّر بهم النار يوم القيامة،

وهم : المجاهد ، وقارئ القرءان ، والمتصدق،

وهذه الأعمال الثلاثة التي قاموا بأدائها هي من العظمة بمكان ،

ولكنها لم تعطهم صفة القبول عند الله تعالى ، ذلك لأنهم لم يقصدوا أن يرتقوا من خلالها إلى الغاية المبتغاة من تنفيذ تلك الأعمال، وهي قبول الله لهم، فانتهوا إلى الخسران ، والعياذ بالله ،

ولم يشفع لهم قيامهم بتلك الأعمال - على عظمتها - وذلك لأنها وسائل وحسب.وينبغي أن لا يكون المرء مثقلا هنا بالخشية من أن يكون كلام كهذا ذريعة للمتذرعين إلى التهوين من شأن هذه العبادات ما دامت وظيفتها لا تتجاوز حدّ الوسائل ،ذلك لأن هذه الخشية - لو التزمناها تسليما بها- تعمل على التعطيل عن تبيان المفاهيم الشرعية بدلا من العمل على إبانتها صحيحة مأثورة،

وهذا المسلك أحسب أنه ليس مقبولا في مرادات الشارع ومنظوراته الآمرة بتجلية البلاغ الديني متمحضا عن احتساب ملامة لائم ، أو مخافة استهانة يسلكها متذرع ،

وإنما يجب أن يصل البلاغ الديني إلى أقصى درجات البيان والتجلي.

والقرءان الكريم أضاء هذا المعنى بموجهات مسموعة " الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا"

وأما المراعاة المؤقتة لحدثاء العهد مثلا ومن كان على شاكلتهم فهي - في تقديري - استثناء تحدده أحوال معينة وقرائن خاصة غير هذه،

وليس معيارا لازما بعموم ليكون البيان الديني ملزوما به بعموم.

بمعنى أن خاص الأدلة ليس له صلاحيات مطلقة لتقليص دلالة العموم في نطاق الخصوص فقط، فضلا عن أن يكون له تعطيل عام الأدلة عن عمومها .

إضافة تعليق


Security code
تحديث

اعلي الصفحة