هجرة الصحابة الكرام كانت إلى ارتريا !الشواهد والأدلة ) - الجزء الأول)

مقدمة:

منذ وقت بعيد كانت تعتمل في دواخلي رغبة الكتابة عن هجرة الصحابة الكرام إلى الحبشة، ومع شواغل الحياة خبت الرغبة، حتى اطلعت على مقال الأستاذ يحي العوض (مسارات أول هجرة في تاريخ الإسلام.. إلى أين: إثيوبيا، أم ارتريا، أم السودان؟.) بصحيفة الرأي العام، فأيقظ الرغبة فيَّ وكانت هذه الأسطر..

 توطئة:

بدءا انه لشرف عظيم تشرئب إليه أعناق أي شعب أن يستضيف هؤلاء الصحابة الأجلاء ، ويحوز علي نعت الرسول صلى الله عليه وسلم بأن أرضه ( أرض صدق وأن ملكها عادل لا يظلم عنده احد )، (سيرة ابن هشام)، وان شرف استقبال الصحابة الكرام وإجارتهم تعتز به أي أرض، ويفخر به أي شعب، ولكن الهجرة كحدث تاريخي انقضي وضمته سجلات الكتب، ومن غير المستساغ، إن لم يكن افتئات علي الحقيقة، أن نستدعيه لننسبه إلي أنفسنا لننال الشرف ويكون لنا العز والفخار؟!. ولو كان ادعاؤنا مخالفا لحقائق الجغرافية والتاريخ ولما أثبته علماؤنا في كتب التراث!. وما أفعله الآن هو تبيان للحقيقة بالأدلة والشواهد المتعددة ليس إلاّ!.

ثورة الإنقاذ: (السودان دار الهجرتين)

إن الرأي القائل بهجرة الصحابة إلي السودان وليس إلي الحبشة ابتدره الدكتور عبد الله الطيب، وهو رأي جديد، ولم يقل به أي من أسلافنا العلماء الأجلاء ، وصادف هذا الرأي هوى في نفس الإنقاذ وهي ترفع شعار دولة الإسلام ، وتسعي لتمكين مشروعها الحضاري، فتخطفته للتبشير بمشروعها وتعبئة الجماهير وحشد التأييد له، فقامت بطباعة كتاب الدكتور حسن الفاتح قريب الله ( السودان دار الهجرتين )!. والدكتور قريب الله  أستاذي وان كنت لا أرى رأيه في هذه المسألة ، وذلك لما سأورده لاحقا ، إن شاء الله .

وقد اقتفى أثر الدكتور عبد الله الطيب أمثال المرحوم أحمد سليمان المحامي (صحيفة الإنقاذ عدد يوم 29/9/1991م)، والدكتور احمد علي الإمام مستشار الرئيس السوداني لشئون التأصيل (في حديث تلفزيوني بمناسبة العام الهجري الجديد 1425هـ) وغيرهما.. إلا أن الأغلبية الساحقة من علماء السودان، يؤكدون أن الهجرة كانت الى الحبشة (ارتريا حاليا) ولم تكن الى السودان الحالي!. ومنهم البروفيسور عووضة حمور( في مقال له بجريدة الرأي العام السودانية بتاريخ 18/9/2000م بعنوان «هل كان النجاشي ملكاً على الحبشة في عام 8ق.م هـ سؤال لا للاعتراض ولكن ليطمئن قلبي»، ومقال آخر بعنوان جزيرة دهلك الحبشية تنفي مقولة هجرة الصحابة الى السودان)، والسفير العوض محمد الحسن في مقال له بصحيفة الرأي العام، دكتور جعفر ميرغني المتخصص في الدراسات الإفريقية، وغيرهم كثر..

وفي إطار التعبئة أيضا استمعت إلي خطبة لأحد كوادر الإنقاذ إبان عنفوانها ، جاء فيها إن الرسول صلي الله عليه وسلم قال: إن الله سينصر هذا الدين برجال من السودان، رعاة الإبل، أورده ابن كثير، وأخذ يشعل حماسة المستمعين ويقول لهم انتم المعنيون بحديث الرسول هذا ؟!. بعد الخطبة قلت له يا هذا لقد ضيقت واسعا!. إن العرب تطلق السودان علي الأفارقة أصحاب البشرة الداكنة من البحر إلي المحيط ، ذكرت كتاب أبي الفرج بن عبد الرحمن الجوزي ( تنوير الغبش في فضل السودان والحبش )، وكتاب الجاحظ ( فضل السودان علي البيضان ) ويقصد الكاتب الجنس الأسود في مقابل الجنس الأبيض، ثم لماذا يتحمل أهل السودان بحدوده السياسية الحالية وحدهم عبء إعادة دولة الإسلام إلي الساحة السياسية العالمية وهو واجب كل المسلمين ؟!.

الأدلة والشواهد:

دعونا نبتدر إيراد الأدلة المعضدة للرأي المعروف بأن الهجرة كانت إلي الحبشة لا إلي السودان الحالي ، بالتساؤل الوجيه التالي: لماذا يتجشم المهاجرون من الصحابة رهق عبور البحر الأحمر في أعرض نقطة  فيه، والعرب وأهل مكة خاصة، ليسوا حديثي عهد بالسفر إلي الحبشة عبر بحر القلزم ( البحر الأحمر ) والاتجار معها!. فقد كانت أرض الحبشة كما ذكر الطبري في تاريخ الأمم والملوك، (متجرا لقريش يتجرون فيها ويجدون فيها رفاغة – متسعا - من الرزق وأمنا ومتجرا حسنا)،.. وميناء مصوع الحالي في ارتريا معروف لديهم وكانوا يطلقون عليه (باضع)، وهي التسمية المستعملة محليا حتى الآن، وأن مصوع تضم أقدم مسجد في إفريقيا بني علي أيدي الصحابة في عام 615م!. بـ(راس مدر) مكان عبور المهاجرين..

إن مداخل البحر الأحمر إلي الحبشة، وموانيها النشطة هي مصوع ( باضع) وعدوليس (زولا) الحالية (40) كيلومتر جنوب مصوع، هي ضمن الإقليم الذي يحكمه النجاشي ، ويسمي الإقليم (مدري بحري) أي ( أرض البحر ) ، ويسمي النجاشي بملك أرض البحر ( نجاسي مدري بحري ) باللغة التجرنية المتداولة حاليا في ارتريا ! نجاسي تنطق كالجيم المصرية ، وليس النجاشي كما ينطقها العرب ! ويطلق علي أي ملك من ملوك الحبشة ، وتقابل كسرى عند الفرس ، وقيصر عند الرومان ..

إذن لماذا لا يسلك المهاجرون المسارات المعروفة عندهم، عبر جذر دهلك الشهيرة وراس  مدر بمصوع، ومنها الي ( دباروا) حاضرة ملك النجاشي، في الهضبة الارترية، (25)  كيلو متر جنوب شرق اسمرا !. وهي أقرب الطرق وأأمنها ..

يقول اليعقوبي في كتابه (ممالك السودان والحبشة) بعد أن عدد ممالك السودان من بجا ونوبة وزغاوة وكوكو وغانا.. «ثم المملكة السادسة وهي مملكة النجاشي وعاصمة المملكة «كعبر»!. وساحلهم دهلك. ولم تزل العرب تأتي إليها للتجارة وآخر مملكة الحبشة الزنج «كينيا الآن».

وعلى ذلك فكلمة السودان كانت تعني عند العرب كل الممالك الواقعة في البر الإفريقي، فالحبشة من السودان، وليس كل السودان حبش!. وفي المعاجم: حبش جنس من السودان!.

ويقول الدكتور عبد الحليم رجب: ( و من المعروف تاريخياً في إرتريا( بحر نجاشي)أي ملك البحر كان مقره مدينة ( دباروا)  التي تقع بالفعل شمال هضبة الحبشة ( ارتريا الحالية), و تبعد حوالي (25 ) كلم من العاصمة أسمرا و في الوقت ذاته تواجه ساحل تهامة وهي الأقرب إلي بلد الحجاز ..)

ويدلل علي قصر المسافة التي قطعها الصحابة المهاجرون بين الساحلين ما أورده الإمام الطبري في كتابه تاريخ الأمم والملوك : كان خروج المهاجرين من مكة في رجب من السنة الخامسة للبعثة ، ويروى أن قريش تنكبت أثرهم ولاحقتهم في اتجاه البحر ، ولم تلحق بهم إذ أبحروا في سفينة لبعض تجار الحبشة لقاء نصف دينار! فقط نصف دينار لأن المسافة لم تكن كبيرة .

ويقول البروفيسور عووضة: إن المسلمين سلكوا طريق رحلة الشتاء وإنهم لم يسلكوا طريقاً آخر يقع غرب البحر الأحمر إلى حاضرة النجاشي ولم يعبروا الى «بر» سودان اليوم من جدة وحتى لو تم هذا ما كانت بورتسودان أرضا حبشية حتى نقول ضمنا أنهم هاجروا إلى السودان كانت ارض بجه عليها ملكهم.( مقال مشار إليه أعلاه).

أرجو أن أشير الي أن النجاشي الذي أشار إليه الرسول صلي الله عليه وسلم هو ملك ارض البحر الإقليم الشمالي للحبشة ، وليس ملك ملوك الحبشة ، الذي يطلق عليه باللغة الحبشية ( نجوس نجاسي ) ، ذلك أن الحبشة كانت مكونة من أقاليم يتمتع كل منها بحكم ذاتي ، ويطلق علي حاكمها ( نجاسي) كما أسلفنا . (وذكر ذلك غير واحد من المؤرخين منهم د. محمد عبد الحليم رجب في كتابه: (الصراعات السياسية بين مسلمي الزيلع ونصارى الحبشة في القرون الوسطى). ولعدم ورود ذكره في سجل الملوك الذي هو ( كِبرا نقست )الذي حوى أسماء ملوك الحبشة,, بل القساوسة  في (أثيوبيا) الحالية ينفون أن ملكا مسلما سبق و أن حكم( أثيوبيا)، ووصل الى ذلك المهندس فتحي غيث في كتابه (الإسلام و الحبشة عبر التاريخ) حيث يقول: (يشكِّك بعض الكتَّاب في وجود مثل هذا النجاشي في الحبشة أي أثيوبيا الحالية )!. وهو أيضا رأي المؤرخ الارتري محمد سعيد ناود..

شواهد أخري من الجغرافية ، فقد أثبتت الحفريات والنقوش التي علي جبال (دباروا) أنها كانت مقر الملك، وان الملك يتم تنصيبه بعد تعميده ومباركته من قبل القساوسة في طقوس آثارها ما تزال ماثلة!. فضلا عن المقابر التي يعتقد الأهالي هناك أنها لمن توفي من الصحابة وأبناءهم ومن أتي من بعدهم !!.

وظلت مملكة دباروا الإسلامية قائمة حتى العام 1578م، حيث دمرها الإمبراطور( سيسي قبر دنقل) الذي توجه إليها من قلعة (هَرَرْ) ( الجانب الإثيوبي)، وهزم مليكها( بحر نجاشي أسحق) في منطقة ( عدي وقري) و تمكن من قتله مواصلاً تقدمه باتجاه قلعة (دباروا) و قام بتدمير أسوارها و المساجد التي كانت فيها!.

كما أن هناك قرية تحمل اسم ( الصحابة ) بالقرب من دباروا، قابلت احد أبنائها بالمملكة العربية السعودية حيث أكد لي أن الصحابة المهاجرون كانوا يعيشون فيها!. ومن هنا جاءت التسمية.

وفي الخبر الذي أوره السيوطي في ( رفع شأن الحبشان ) والعلامة الميرزا الموسوي في (روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات ) أن أم سلمة قالت : فأقمنا عنده ( النجاشي) بخير دار مع خير جار، فو الله إنا علي ذلك إذ نزل به من ينازعه في ملكه، فسار إليه النجاشي وبينهما عرض النيل، فسبح الزبير بن العوام علي قربة منفوخة إلي الناحية الأخرى ليأتي بخبر المعركة!. والشاهد أن النجاشي عبر النيل ( وهو نهر مرب الذي يفصل الآن بين ارتريا وأثيوبيا ) ، من مقر ملكه في (دباروا)  مما يؤكد أنه كان بالجانب الارتري، الحبشة سابقا !. وليس إثيوبيا الحالية!.

فإذا كان ذلك كذلك، فلماذا يوجد ضريح ( أحمد النجاشي ) بالقرب من  (عدي قرات )  في الجانب الإثيوبي؟؟.. يقول ( اسبنسر ترمنجهام) في كتابه ( الإسلام في أثيوبيا ) : (أن ضريح النجاشي الذي تتم زيارته حاليا في إقليم( تجراي) الأثيوبي  و الواقع جنوب (عدي قرات) - 38 ميلا.., و من المعروف لدينا أنه تمت أقامته عندما زاره الأمام أحمد بن إبراهيم المعروف  بـ (أحمد قِران) في القرن السادس عشر الميلادية, أي في وقت متأخر ). وأضيف أن هناك ظاهرة في ارتريا وإثيوبيا قد لا تكون موجودة في مناطق أخرى!. وهي أن يظهر أحد الصالحين الكبار إلى شيخ محلي في المنام ويقول له ابنوا لي ضريحا هاهنا، فيعمد الأهالي على الفور على بناء الضريح ويسمى باسمه برغم أنه غير مدفون فيه!. ويقولون (أظهيروا)، وليس غريبا أن يوجد ضريح للشيخ عبد القادر الجيلاني في ارتريا برغم أنه غير مدفون فيها!.

وحتى الحلقة الثانية استودعكم الله،،،

على عبد العليم :   هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته

 

اعلي الصفحة